كلما تم التضييق عليها، تخلصت من حمولتها الزائدة، هكذا هي جماعة الإخوان، التي تمارس سياسة شيطانية من نوع نادر، تبيح فيها كل شيء، المناورة والضرب تحت الحزام، والخيانة لأقرب الناس إليها، إذا لزم الأمر، طالما فيها ما يضمن استمرارها على قيد الحياة، والأخيرة يبدو أنها طريقها لإنقاذ رقبتها من حبل ترامب، ووقف خطوات إعلانها منظمة إرهابية، التي لم يتبق منها إلا تكييف الإجراءات القانونية والسياسية اللازمة. آخر حيلة، وصل لها شياطين الجماعة، للتحايل على القرار المنتظر بإعلانهم منظمة إرهابية، تسليم المكتب الإداري ــ الجناح المعارض ــ للقيادات التاريخية إلى أمريكا، من أتباع القيادي محمد كمال، والتحريض على تصنيفه حركة إرهابية، من خلال تقديم معلومات استخباراتية دقيقة عن سجله الإجرامي، وأسماء قياداته وأعضائه بشكل كامل، والعمليات الإرهابية التي قاموا بها، والإيحاء بأنها تمت دون رغبة من الكبار.عملية التضحية بالكماليين، وردت في زلة لسان، نقلها ممدوح المنير، رئيس الأكاديمية الدولية للدراسات والتنمية، والقيادي الإخواني السابق المقرب من جهات صنع القرار في الجماعة، خلال محاولات يبذلها من آخرين لتهيئة الرأي العام الإخواني، لما يمكن أن يحدث، مستعرضا مجموعة من الخيارات المحدودة، للنجاة من تصنيف الجماعة الأم منظمة إرهابية، وخاصة أن نحو 90 % على الأقل من الصف الإخواني لا يبدو أنه على علم بما يحدث. بحسب المنير، ترغب قيادات الجماعة في استبعاد أي خيار، يصنفها تنظيما إرهابيا، حتى لو داخل مصر فقط، رغم كونها مصنفة بالفعل، ومعظم قياداتها بالسجون، وأموالها جرى مصادرتها، خوفا من تقليل التفاهمات والتنسيق بين قيادات الإخوان، أو المنظمات التابعة لها وبين الاستخبارات والأجهزة الأمنية الأمريكية والغربية، وبالتالي ليس أمامها إلا الدفع بقوة لتصنيف الجناح المعروف باسم المكتب العام للإخوان، المسئول عن حركات حسم ولواء الثورة وغيرها من الأذرع الإرهابية داخل الجماعة. حتى نفهم ما يحدث، وعمليات الخيانة الدائرة، يجب معرفة قصة الصراع المصطنع، وكيف بدأ بعد فض اعتصام رابعة في 2013، وانهيار الإخوان كليًا، وخاصة على مستوى القيادة والسيطرة، بسبب إلقاء القبض على القيادات الكبرى في التنظيم، وهروب البعض الآخر خارج البلاد.في هذه الأحداث العاصفة، لم يتبق في مصر إلا أعضاء المكتب التنفيذي، ومعهم محمد كمال عضو مكتب الإرشاد، وزعيم تنظيم الكماليين الذي لقي مصرعه في نزال مسلح مع قوات الأمن المصرية في نهاية عام 2016.حصل كمال على نفوذ هائل داخل التنظيم، بعد أن تم اختياره رئيسًا للجنة الإدارية العليا، التي تولت إدارة الإخوان، بمعزل عن القيادات الكبرى، منذ فبراير 2014، وكان هو المسئول عن إنشاء جيل داعشي جديد في الإخوان، وإعطائهم الضوء الأخضر لارتكاب أعمال عنف، كل ذلك كان يجرى تحت نظر الكبار، أملا في قدرته على إحداث توازن على الأرض، للتفاوض مع الدولة المصرية من منطق القوة، ولكن ما حدث أن كمال تعاظم نفوذه بشدة حتى منتصف عام 2015، وهي اللحظة التي شعر فيها الكبار بالخوف على مراكزهم، إذ تحول رئيس اللجنة الإدارية العليا إلى أيقونة داخل الجماعة، فأشعلوا الصراعات معه، حتى أجبر على تقديم استقالته من اللجنة التنفيذية، ورغم ذلك حافظ على القيادة الفعلية للتنظيم حتى وفاته. كان محمود غزلان، المتحدث الرسمي الأسبق للجماعة، والذي ظل مختبئا حتى ألقى القبض عليه في منتصف عام 2015، أول من جر كمال إلى صراع صفري، وتبعه محمود عزت، نائب المرشد، والمسئول عن الإخوان في غيابه، ومعه طاقم القيادات التاريخية، إبراهيم منير المحرك الرئيسي للتنظيم الدولي، والأمين العام محمود حسين، وهؤلاء تزعموا منذ بداية 2015، الحديث على استحياء عن اسطوانة العنف الكمالي والعواقب المتوقعة من ذلك، مع أنه يتعامل من منظور داعشي، على مدار عامين، دون أن يردعه أحد في الجماعة. انتظر «الحرس القديم» كل هذه المدة، قبل التعبير عن اعتراضاتهم على عدم سلمية كمال ومن معه، وهو أمر أشار إليه مؤيدو زعيم الحركات الإرهابية بشدة، وتساءلوا: أين كان الكبار ببساطة، وهل كان غائبا عنهم أنشطة التيار الكمالي داخل الجماعة، أم أن الخطة المعتمدة من مجلس شورى التنظيم، لم تستطيع التعبير عن نفسها، فاعتبرها العواجيز فرصة سانحة للإطاحة بكمال واسترداد نفوذهم.هذا التناقض كشف عنه عصام تليمة قبل أسبوع، وأوضح السبب الرئيسي في الخلاف بين جبهات الإخوان، وأكد أن سببها الصراع على المناصب والنفوذ، وليس العنف أو اللاعنف مطلقا، خاصة أن الإعلام الإخواني كانت يعتبر الضربات الإرهابية لحسم وغيرها «عملًا ثوريًا»، وفتح المجال للمتطرفين والتكفيريين من أمثال وجدي غنيم وآيات عرابي، وغيرهم للخروج على الفضائيات الإخوانية، وإباحة العنف ضد الدولة ومؤسساتها ورجالها. المكائد التي يحيكها الحرس القديم الآن للجناح الكمالي، قد تقلب السحر على السحر، لأنه في حال تنفيذ هذه الخطة الشيطانية، سيكون مطلوبًا من القيادات التاريخية، إلقاء الضوء على طبيعة النقاش الذي دار حول العنف وعلاقة مجموعة الكماليين وحدهم به، والكشف عن الأسرار التي اكتنفت تلك الفترة، والروايات المتضاربة عنها، وما الذي يجعل الكبار ليسوا على علاقة بالعنف، وتمويل الأنشطة المسلحة للتنظيم، ولماذا صمتوا طوال عامين على العمليات الإرهابية، التي كان يرغب كمال من خلفها عمل حرب «استنزاف» للدولة المصرية ومؤسساتها، وما موقفهم من الاستراتيجيات المعلنة من شورى الإخوان بعد فض رابعة، والمراحل الثلاث التي حددها للإطاحة بالنظام الجديد، واستعادة شرعية مرسي، ونظامه.المثير أن خطة الإرباك والاستنزاف، جاءت على لسان الأمين العام محمود حسين، خلال مقابلة له في يناير 2016، على قناة «وطن» بشكلها القديم، وتحدث عن التخطيط الإستراتيجي لتنويم الصف وطمأنته أنهم يعلمون بقوة، وأكد أن الخطط تأتي وتذهب ويجب إعادة تقييمها مع تغير الظروف، وضمنها «الاستنزاف» كخطة تم وضعها مبكرًا، للرد على سيناريوهات فض الاعتصام وتنحيتها من الصورة. هاجم الجناح الإرهابي، بمباركة «الحرس القديم» نقاط التفتيش التابعة للجيش والشرطة والمنشآت العامة، وهي معلومات كشف عنها مجدي شلش، الذراع الأيمن لمحمد كمال، باعتبارها محاور خطة الاستنزاف الذي سبق للأمين العام التحدث عنها، ما يعني أنها كانت مدعومة ليس فقط من القيادات الكبرى، بل ومن قواعد الجماعة نفسها، التي كانت تضغط عليهم بشدة للانتقام من النظام الجديد آنذاك، ما يؤكد أن جينات الإرهاب، تتحكم في الجماعة من القمة للقاع.في الوقت الذي كانت الجماعة تخرج فيه بأعداد كبيرة، لإرباك الأمن وتشتيت جهوده، بدا أنها ضمن محاور خطة محكمة، إذ شنت الأذرع الإرهابية في نفس الوقت وطول عام كامل نحو 150 هجوما بالأسلحة النارية والمتفجرات، وكان الكبار في حالة صمت تام، وأغلبهم رفض الخروج للتعليق على الضربات الإخوانية، حتى استطاعت المؤسسات الأمنية توجيه ضربات قاسية للجماعة ولأذرعها الإرهابية، فبدأ الحرس القديم، يطلق بيانات داخلية للصف، أملا في تفكيك شعبية كمال، عبر الهجوم الشرس عليه، وتحميله مسئولية التضييق على الجماعة، ووصفه بالكاذب الذي يتلاعب بالتنظيم طمعا في السيطرة عليه. التشويه المتعمد من الإخوان لسمعة محمد كمال، وأذرعه الإرهابية، يؤكد أنها خطة تم إعدادها بشكل محكم بعد تصفيته، حيث حمّلت أغلب تصريحات القيادات التاريخية، المسئولية الكبرى عن شيوع العنف داخل الصف الإخواني لتنظيم الكماليين، لدرجة أنهم اتهموه بالوشاية بالقيادات التي جرى اعتقالها بعد فترة طويلة من الاختباء، على شاكلة محمود غزلان وعبد الرحمن البر لخلافهم معه.واستمروا في التصعيد حتى أصبح للجماعة مركزين للقيادة، الأول يتحكم في مصادر التمويل والمال، ويحتفظ بالسلطة، والآخر يناور إعلاميا، ويصدر قرارات باسم الإخوان، على أمل سحب الثقة من الحرس القديم، وكل منهما لا يعترف بشرعية الطرف الآخر، حتى جاءت اللحظة المناسبة، لتقديم بقايا الكماليين كبش فداء للجماعة وقياداتها التاريخية وحماية لمصالحها من غضبة ترامب. "نقلا عن العدد الورقي..."


قراءة الخبر من المصدر