أنيته ماينكه – كارشتانين* الأربعاء 14 غشت 2019 - 02:03 ذبحت بعض الحيوانات في الشارع مؤخرا مرة أخرى، بالقرب من مزرعة عنب قلعة موخراني. كان عدد من الرجال يسلخون وينظفون الذبائح في أحواض بلاستيكية ضخمة وينظرون بارتياب إلى السياح العابرين الذين كانوا يلتقطون الصور. فقد كان ينتابهم التوجس من الانتباه لما يقومون به لأن هذا النوع من الذبح محظور من زمن في جورجيا. يقول مواطن جورجي ضاحكا: "ولكنه تقليد. شيش الكباب الذي يصنع من هذا النوع من اللحوم هو أفضل ما يمكن أن تحصل عليه. أحيانا تكون لنا قواعدنا الخاصة بنا لأننا ولدنا وترعرعنا كأفراد عصابات". وهذا الاتجاه قد يفسر قدرة 3.7 مليون نسمة، يعيشون في البلاد التي تبلغ مساحتها تقريبا مساحة سويسرا، على تحمل مصاعب الحياة. وعلى طول الجبال الهائلة، والقرى النائية والسكان المشهورين بكرم الضيافة، تجد جورجيا زاخرة بعبق التاريخ الثري والعادات القديمة، حيث يلقي الزوار نظرة على الحياة الحقيقية في منطقة القوقاز. وإذا تحدثنا من الناحية الثقافية، فإن الجورجيين هم أقرب إلى الغرب. فالدولة متعددة الأعراق تعتنق المسيحية منذ ما يقارب 1800 عام، والكنيسة الارثوذكسية الجورجية هي المذهب المسيحي المهيمن. وتضم الدولة ذات الأراضي الخصبة للغاية سبع مناطق مناخية مختلفة. وجورجيا التي كانت يوما ما نقطة عبور في طريق الحرير القديم، تعيّن عليها مرارا أن تصد الغزاة. وعندما حاول أغا محمد خان شاه فارس غزو العاصمة تبليسي في القرن الثامن عشر دعا الجورجيون الروس لمساعدتهم. في بداية القرن التاسع عشر تم دمج الدولة التي تقع في منطقة القوقاز في الإمبراطورية الروسية كأحد أقاليهما. ويشرح أحد السكان المحليين: "دعونا الروس، وإلا كنا أصبحنا دولة مسلمة اليوم. ولكن الآن لا يمكننا التخلص منهم". وإحدى شخصيات القرن العشرين التي يجب أن تتحمل اللوم في هذا الخصوص هو ستالين. وولد ستالين باسم جوزيف جوجاشفيلي في جوري، على بعد 70 كيلومترا من العاصمة، حيث مازال الزعيم يحظى بالاحترام إلى اليوم، وهو ما يثير غضب الكثير من أبناء جورجيا. والمنزل الذي ولد به محاط بمبنى ستاليني العمارة. في عام، 1957، أي بعد أربع سنوات من وفاة الزعيم، افتتح متحف ستالين في وسط المدينة. وفي الحديقة يمكن للزوار أن يروا عربة القطار التي ركبها الزعيم متوجها إلى مؤتمر يالطا الشهير لمقابلة فرانكلين روزفلت وونستون تشرشل. غير أن بقية المدينة في حالة بالية حيث تتقشر دهانات الجدران بالمباني السكنية السوفيتية واحدا تلو الآخر. وبقع الألوان الوحيدة هي قطع من الملابس المغسولة التي علقت لتجف. ويطلب أحد المارة سيجارة بالروسية. ويرد عليه أحد أبناء جورجيا "آسف.. أنا لا أتكلم إلا الإنجليزية". ويوضح قائلا: "أكره أن يفترض السياح الروس بصورة تلقائية أننا نتحدث لغتهم". وبلغ النفور الجورجي تجاه روسيا ذروته مع اندلاع الحرب الروسية الجورجية في عام 2008 حول إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. واليوم يعد أي سائح محبوبا أكثر من السائح الروسي، خاصة إذا ما جاء من أجل التمتع بتقليد للخمور يعود إلى ثمانية آلاف عام أو مدن الكهوف الشهيرة أو زيارة تبليسي النابضة بالحياة، وليس زيارة مسقط رأس ستالين. ولكن في الجبال التي تقع باتجاه الشمال، بالقرب من الحدود التركية والأرمينية، يكون الأمر مختلفا. قلة من السياح هم من يذهبون إلى هناك، وهو أمر يدعو إلى الخجل لأن السكان المحليين ودودون للغاية. وعلى امتداد 100 كيلومتر لا يوجد إلا مقهى واحد حيث يقدمون قهوة تركية قوية وأنواع مختلفة من الكعك مقابل 2 لاري، وهو ما يقل عن دولار واحد. وعلى ارتفاع 1700 متر هناك العديد من القرى الصغيرة التي تطل على الجبال، والتي تغطي قممها الثلوج طوال العام. الشوارع في حالة يرثى لها، مما يدفع السائقين للتركيز الشديد. وعند الجدران المنخفضة المشيدة بالطوب وزوايا الشوارع والساحات هناك مجموعات من شخصين أو ثلاثة أشخاص مستغرقين في الحديث. ويشرح السائق المحلي: "هذه هي وكالة الأنباء الخاصة بنا. إذا أردت أن تعرف آخر الأنباء في المنطقة، فهذا هو المكان الذي تحصل عليها فيه". المنازل صغيرة ومشيدة من الحجارة غير المكسوة بالجص. والسقوف الأمامية يتناثر فيها روث الأبقار الذي يتم تجفيفه وتقطيعه ليستخدم كوقود للتدفئة في الشتاء. وتبيع النساء العجائز الفلفل وفول الصويا والمتسنيلي-وهي البقول المحفوظة الخضراء-في الشارع، والشبان على متن خيول يدفعون أمامهم قطيعا من الأبقار إلى الحظائر. وهناك يبرز كرم الضيافة للجورجيين؛ إذ يسارع السكان المحليون إلى دعوتك لتناول كوب من القهوة. ويستقبل الزوار بعناق وقبلة على الخد. ويقول المضيف: "نحن في العادة نطبخ طعاما إيطاليا، ولكن اليوم نأكل طعاما جورجيا". ويلي القهوة الموعودة وجبة من أربعة أطباق، تحتوي على لحم بقري ذي نكهة خاصة مغموس في صلصلة الجوز مصحوبة بنبيذ أحمر منزلي الصنع. *د. ب. أ


قراءة الخبر من المصدر