أوجد القطن الذي كانت تنتجه الأيدي العاملة المسترقة سوقاً عالمية جمعت ما بين العالمين القديم والجديد: أي بين معامل النسيج الصناعية في الولايات الشمالية وفي إنجلترا من ناحية ومزارع القطن في الجنوب الأمريكي من جهة أخرى. كانت معامل النسيج في المراكز الصناعية في لانكشاير بإنجلترا تشتري معظم صادرات القطن، والتي أوجدت مراكز تجارية عالمية في كل من لندن ونيويورك حيث كان بإمكان التجار البيع والشراء والاستثمار، والتأمين والمضاربة في سوق سلعة القطن. ومع أن الاتجار بغير ذلك من السلع كان موجوداً إلا أن القطن (ومن قبل ذلك الاتجار في السكر الذي كان العبيد ينتجونه في منطقة الكاريبي) هو الذي سرع وتيرة النشاط التجاري حول العالم في القرن التاسع عشر، ما أوجد طلباً على العقود الإبداعية والمنتجات المالية المختلفة والأشكال الحديثة من التأمين والاعتمادات المالية. ومثله مثل المنتجات الزراعية الأخرى، فإن القطن عرضة للتقلبات في الجودة بناء على نوع المحصول والموقع والأحوال البيئية. ولذلك نجم عن التعامل معه كسلعة بعض المشاكل الفريدة من نوعها: مثل كيف يمكن حساب الأضرار إذا ما تم إرسال المحصول الخطأ؟ وكيف يمكن أن تضمن عدم وجود سوء فهم بين الطرفين وقت التسليم؟ تم تطوير بعض المفاهيم القانونية التي مازلنا نستخدمها حتى يومنا هذا مثل "الخطأ المتبادل" (والمتمثل في فكرة أن العقود يمكن أن تصبح لاغية إذا ما اعتمد الطرفان على فرضيات خاطئة)، وكان الغرض من تطويرها التعامل مع مثل تلك المشاكل الطارئة. كان تجار الأقمشة بحاجة إلى أن يكون شراؤهم للقطن سابقاً على إنتاجهم هم، بما يعني أن المزارعين كانوا بحاجة إلى طريقة لبيع ما لم يكونوا قد زرعوه بعد، الأمر الذي أدى إلى ابتكار العقود الآجلة، والتي مازالت أسواق السلع تستخدمها حتى هذا اليوم.   مع توسع قطاع القطن في أمريكا ارتفعت بشكل جنوني قيمة العمال المسترقين منذ العقود الأولى في القرن التاسع عشر، في أوج تجارة القطن عبر الأطلسي، أدى نمو السوق بشكل كبير وتسارع عدد النزاعات بين النظراء إلى وضع استدعى أن تبادر المحاكم والمحامون إلى صياغة وتقنين معايير القانون العرفي الخاص بالعقود. وهذا بدوره سمح للمستثمرين والتجار بتخفيف المخاطر المحتملة في إجراءاتهم التعاقدية، والتي سهلت تدفق البضائع والأموال. ومازال طلاب كليات القانون حتى اليوم يدرسون بعض القضايا المحورية وهم يتعلمون بعض المفاهيم مثل استقراء المستقبل والأخطاء المتبادلة والأضرار. أو اعتبر أن الاستثمار المالي في "وال ستريت" نمط حديث من التزامات الدين المضمون برهانات، تلك المعاملات التي كانت أشبه بقنابل موقوتة تسندها أسعار البيوت المتضخمة كما كان عليه الحال في العقد الأول من الألفية الحالية. ما تلك الالتزامات سوى أحفاد الضمانات التي كانت تسند القروض العقارية بناء على القيم المتضخمة للبشر المسترقين الذين كانوا يباعون في عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر، حيث كان كل منتج يولد ثروات هائلة لصالح قلة قليلة في فترة ما قبل تفجير الاقتصاد. لم يكن ملاك العبيد أول من دقق في الموجودات والديون في أمريكا. بل إن شركات العقارات التي ازدهرت في أواخر القرن الثامن عشر كانت تعتمد على هذه الآلية، على سبيل المثال. إلا أن ملاك العبيد كانوا يتوسعون في استخدام الضمانات إلى حد كبير في زمنهم، معرضين بذلك أصحاب المصالح المعنيين في مختلف أرجاء العالم الغربي إلى ما يكفي من الخطر بحيث ينال ذلك من الاقتصاد العالمي، حتى أن المؤرخ إدوارد بابتيست أخبرني بأن ذلك يمكن أن ينظر إليه باعتباره "حركة جديدة في الرأسمالية العالمية، حيث تشهد تطور سوق مالي معولم." ما كان جديداً في أزمة عام 2008 لم يكن مفهوم حظر مالك منزل واحد وإنما حظر الملايين منهم. وكذلك، ما كان جديداً في التدقيق في البشر المسترقين خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر لم يكن مفهوم التدقيق ذاته وإنما المستوى الجنوني للاندفاع حول المضاربة على القطن، وهي المضاربة التي حفز عليها الدين الناجم عن بيع العبيد. ومع توسع قطاع القطن في أمريكا ارتفعت بشكل جنوني قيمة العمال المسترقين. فما بين عام 1804 وعام 1860، ارتفع متوسط سعر الرجال من ذوي الأعمار التي تتراوح ما بين 21 و 38 عاماً في نيو أورلينز إلى 1200 دولاراً بعد أن كان حوالي 450 دولاراً للفرد. ونظراً لأنهم لم يتمكنوا من توسيع إمبراطوريات القطن التابعة لهم بدون أعداد إضافية من العمال المسترقين، فقد احتاج الزراعون الطامحون إلى إيجاد وسيلة لجمع ما يكفي من رأس المال حتى يتمكنوا من شراء المزيد من الأيدي العاملة. وهنا جاءت البنوك. بدأ المصرف الثاني في الولايات المتحدة، والذي تأسس في عام 1816، بالاستثمار بشكل مكثف في القطن. وفي مطلع ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كانت الولايات الجنوبية المالكة للعبيد تحوز على ما يقرب من نصف أعمال البنك. وفي نفس تلك الفترة تقريباً، بدأت المصارف الولائية في التكاثر لدرجة أن أحد المؤرخين أطلق على ذلك عبارة "حفلة استحداث المصارف." وسعياً منهم للحصول على القروض، استخدم الملاك عبيدهم كرهانات. فعلى سبيل المثال رهن توماس جيفرسون مائة وخمسين من عماله المسترقين ليبني مونتيشيللو. كان بيع البشر أسهل بكثير من بيع الأراضي، وفي العديد من الولايات الجنوبية كانت أكثر من ثمانية من كل عشرة قروض مضمونة بالرهن تستخدم البشر المسترقين رهناً كخيار كامل أو جزئي. وكما كتب المؤرخ بوني مارتن "كان ملاك العبيد يستغلون عبيدهم مالياً كما كانوا يستغلونهم بدنياً منذ أيام الاستعمار وحتى التحرير" وذلك من خلال رهن البشر لشراء المزيد من البشر. بات الحصول على الاعتمادات أيسر وأسرع، مما حدا بأحد المراقبين في عام 1836 ليشير إلى أنه في بلاد القطن "كان المال، أو ما يقايض بالمال، الشيء الوحيد الزهيد الذي كان يمكن الحصول عليه." حمل المزارعون أنفسهم كميات كبيرة من الديون لتمويل عملياتهم التشغيلية. ولم لا يفعلون؟ فالحسبة كانت معقولة. في العقد الأول من القرن التاسع عشر، كان بإمكان مزرعة القطن رهن عمالها المسترقين بفائدة قدرها ثمانية بالمائة بينما كانوا يجنون ريعاً يعادل ثلاثة أضعاف ذلك. كانوا يقومون بذلك، وفي بعض الأوقات يرهنون عمالهم المسترقين مقابل أكثر من قرض عقاري، وكانت البنوك تقرضهم دون فرض الكثير من القيود. وبحلول عام 1833، كانت المصارف في ميسيسيبي تصدر من الأوراق المالية عشرين ضعفاً من قيمة ما لديها في خزائنها من ذهب. وفي العديد من الأقاليم الجنوبية كانت القروض العقارية القائمة على رهن العبيد تضخ من رأس المال في الاقتصاد أكثر مما كانت تضخ مبيعات المحاصيل التي كان العمال المسترقون أنفسهم يحصدونها.   مجرد أن يكون لإنسان ما سطوة على عقل وبدن بشر آخرين كان محتماً أن يفضي ذلك إلى نتائج كارثية ما لبثت الأسواق المالية العالمية أن دخلت الميدان. عندما رهن توماس جيفرسون عماله المسترقين، كانت الجهة الدائنة له شركة هولندية. كانت لويزيانا بيرتشيز، التي فتحت ملايين الهكتارات لإنتاج القطن، ممولة من قبل بارينغ براذرز، المصرف التجاري البريطاني العريق. وكانت معظم الاعتمادات التي شغلت اقتصاد الرق الأمريكي تأتي من سوق المال في لندن. ظلت بريطانيا ومعها جل أوروبا، ولسنوات طويلة بعد إلغاء تجارة الرق في أفريقيا في عام 1807، تمول منظومة الرق في الولايات المتحدة. ولجمع رأس المال، كانت المصارف المؤسسة ولائياً تجمع الديون الناجمة عن القروض العقارية المبنية على رهن العبيد وتعيد تغليفها وعرضها على شكل سندات واعدة المستثمرين فوائد سنوية عليها. وخلال الوقت الذي ازدهر فيه الرق، مارست البنوك العمل التجاري السريع من خلال السندات التي كان يبحث عن مشترين لها في هامبورغ وأمستردام وبوسطن وفيلادلفيا. يزعم بعض المؤرخين أن الإلغاء البريطاني لتجارة الرق كان نقطة تحول في الحداثة، ومن معالمه تطور نمط جديد من الوعي الأخلاقي حينما بدأ الناس يأخذون بالاعتبار معاناة الآخرين على بعد آلاف الأميال منهم. ولكن، لعل الذي تغير كان الحاجة المتزايدة إلى إزالة دم العمال المسترقين عن الدولارات الأمريكية والجنيهات البريطانية والفرنكات الفرنسية، وهي الحاجة التي ما لبثت الأسواق المالية الغربية أن وجدت سريعاً سبيلاً لإشباعها من خلال التجارة العالمية لسندات البنوك. وهنا وجدوا وسيلة للاستفادة من الرق دون تلويث أياديهم. في واقع الأمر، ربما لم يدرك كثير من المستثمرين أن أموالهم كانت تستخدم لشراء البشر واستغلالهم، تماماً كما أن الكثيرين منا الذين يساهمون اليوم في شركات أقمشة متعددة الجنسيات لا يدركون أن أموالنا تمول نشاطاً تجارياً يستمر في الاعتماد على العمالة القسرية في بلدان مثل أوزباكستان والصين وعلى الأطفال الذين يتم تشغيلهم في بلدان مثل الهند والبرازيل. لك أن تسمي ذلك مفارقة، أو مصادفة أو ربما سبباً – لم يحسم المؤرخون أمرهم إزاء ذلك – إلا إن سبل الإثراء بشكل غير مباشر من الرق نمت شعبيتها في نفس الوقت الذي كانت شعبية الرق فيه تتراجع. أخبرني المؤرخ كالفين شيرميرهورن: "يتزايد الأمران معاً. ترانا نشفق على أشقائنا في الإنسانية، ولكن ماذا عسانا نفعل حينما نرغب في الحصول على عوائد من استثمار يعتمد على الأيدي العاملة المسترقة؟ نعم، هناك إحساس بوخز الضمير، ولكن السؤال في نهاية المطاف هو: من أين تحصل على احتياجاتك من القطن؟". منحت المصارف قروضاً بعشرات الملايين من الدولارات بناء على فرضية أن أسعار القطن سوف تستمر في الارتفاع إلى الأبد. شهدت ثلاثينيات القرن التاسع عشر تصاعد حمى المضاربات، حيث أقنع رجال الأعمال والزراعون والمحامون أنفسهم بأن بإمكانهم جمع ثروة معتبرة من خلال الانضمام إلى لعبة خطرة بدا أن الجميع منخرط فيها. إذا كان الزراع يعتبرون أنفسهم فئة لا تقهر، وأن بإمكانهم لي قوانين المال كما يشاءون، فالأغلب أنهم شعروا بذلك بسبب منحهم السلطة لكي يلووا قوانين الطبيعة لتوافق رغباتهم، ولأن يفعلوا ما بدا لهم بالأرض وبمن يسخرون للعمل فيها من البشر. كتب دو بوا يقول: "مجرد أن يكون لإنسان ما سطوة على عقل وبدن بشر آخرين كان محتماً أن يفضي ذلك إلى نتائج كارثية، وذلك أنه يوجد لدى الزراع حالة من الكبر والزهو تتضخم معها الأنا داخلهم إلى مستويات تتجاوز كل منطق، فيصبح كل واحد في مملكته الصغيرة متغطرساً، ديدنه الخيلاء والمشاكسة." فماذا تعني قوانين الاقتصاد بالنسبة لأولئك الذين يتصرفون كما لو كانوا آلهة وهم يمارسون سلطتهم على شعب بأكمله؟ نعلم اليوم كيف كانت تنتهي هذه الحكايات. اندفع الجنوب الأمريكي بطيش نحو إنتاج كميات كبيرة من القطن تفيض عن احتياجات السوق، وذلك بفضل رخص الأراضي والأيدي العاملة ووفرة القروض، ونجم عن ذلك تراجع الطلب لدى المستهلكين فانهارت الأسعار. بدأت قيمة القطن تتراجع ابتداء من عام 1834 تقريباً قبل أن تسقط كما يسقط طائر مجنح لم يعد يقوى على التحليق في عنان السماء، وكان ذلك سبباً في حالة الهلع التي شهدها عام 1837، حيث كان المستثمرون والدائنون يلحون في المطالبة بما لهم من ديون، ولكن ملاك المزارع كانوا يغرقون. بلغت ديون زراع المسيسيبي التي كانت مستحقة لمصارف نيو أورلينز ما يقرب من 33 مليون دولار في عام لم تنتج مزارعهم من عائدات المحصول إلا ما قيمته 10 مليون دولار. بكل بساطة، لم يتمكنوا من تحويل ممتلكاتهم إلى سيولة نقدية لتوفير المال اللازم لسداد الديون. وبتراجع أسعار القطن تراجعت قيمة العمال المسترقين وكذلك قيمة الأراضي الزراعية. حينها صار العامل المسترق الذين اشتراه مالكه بما يقرب من ألفي دولار لا يسوى في السوق أكثر من ستين دولاراً. وبذلك أصبحت ديون الزراع شديدة السمية.   للاطلاع على السلسلة كاملة من مصدرها: المقال الأول: إرث الرق في أمريكا المقال الثاني: الرق في أمريكا (2): حدود التنظيم المصرفي المقال الثالث: الرق في أمريكا (3): عملة بلا غطاء.. والحرب الأهلية


قراءة الخبر من المصدر