شاركتُ قبل سنوات في مؤتمر الحوار الوطني في اليمن والذي استمر قرابة عام في صنعاء، بعد التوقيع على المبادرة الخليجية بين نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح وأحزاب المعارضة التي شاركت في حركة الاحتجاج ضد النظام في 2011. كان ضمن برنامج المؤتمر في أيامه الأولى أن يتحدث كل عضو لدقيقتين أو ثلاث في النقاط التي يختارها. وجاء دور أحد ممثلي شباب «ثورة التغيير» واعتلى المنصة، بخطوات «طاووسية» وكان أول ما قال: إننا يجب أن نتخلص من «هذه الديناصورات» مشيراً إلى منصة هيئة رئاسة المؤتمر التي ضمت شخصيات ذات تاريخ طويل في الحياة السياسية اليمنية. بالطبع، ضجّت القاعة بالتصفيق، وسط شعور عارم بأن العصر الشبابي الجديد الذي ولد من بطنون الشوارع الخلفية والهوامش وخيام الاحتجاج، سيجرف الزمن العجوز الذي «هرِم» على نواصي الشوارع الرئيسية والمتون وقصور صنعاء، أو بتعبير آخر كانت «خيمة الستين» تسعى للحلول محل «قصر السبعين» في مركزية الحياة السياسية اليمنية، وكان الشباب قد انتقل من الشعارات المطلبية المتمثلة في توفير فرص عمل إلى الشعارات السياسية ممثلة في إسقاط النظام. وكانت «الرومانسية الثورية» تنطلق من حناجر الشباب وعيونهم وتلويحاتهم الساخطة ضد النظام، وهو السخط الذي سيتطور فيما بعد إلى سخط ضد كل أشكال السلطة والتراتبية «الهيراركية» سياسياً ودينياً واجتماعياً. كان الشاب المتحمس لا يزال يخطب في قاعة مؤتمر الحوار، ملوحاً بيديه أمام ما كان يراه «ديناصورات» المنصة، التي كان من بينها قيادات من النظام السابق والمعارضة السابقة، على اعتبار أن «النخبة» – سلطة ومعارضة – لم تعد تصلح لتلبية مطالب المحتجين. كان واضحاً ـ إذن ـ أننا لم نعد إزاء دعوة لإسقاط النظام وحسب، ولكن لإسقاط المنظومة برمتها، في جوانبها السياسية والثقافية والاجتماعية المختلفة. ومضى الزمان واستطاع تحالف القوى التقليدية إعادة ترتيب صفوفه، وأعيد إنتاج شبكات معقدة من التحالفات والعلاقات، ولبس «الزمن الهرِم» أقنعة متعددة لتجديد شباب وجهه، وعادت الدولة العميقة، المتكئة على مراكز القوى التقليدية، ولكن بصورة جديدة، وتحطمت «الثورية الرومانسية» على صخرة أو «صرخة» «ثورية تقليدية» ماكرة، برز من خلالها الحوثيون على رأس مراكز القوى التقليدية المتعددة، وظهر أن المنظومة الجديدة ترى نفسها امتداداً لـ«ثورة الشباب» وحدث الانقلاب الذي ارتدى أقنعة ثورية، وكان أول هدف لهذه «الثورة التقليدية» هو ملاحقة رموز «الثورة الشبابية» وامتلأت السجون بزعماء الشباب، وشهد اليمن حركة هجرة ونزوح غير مسبوقة في تاريخ البلاد، وبدا أن الماء الذي كان يلوح على قارعة الطريق لم يكن أكثر من «سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء». وعلى وقع تحطم الأحلام تهشمت الكثير من الأفكار وارتجت الكثير من المعتقدات، وتوسعت حركة الرفض لتتطور من رفض المنظومة السياسية إلى رفض المنظومة الدينية لدى بعض شباب حركة الاحتجاج. وظهر أن رمزية زعامات كبيرة وشخصيات سياسية وازنة وشيوخ دين مبجلين كلها تتعرض بشكل يومي لكم هائل من عبارات التهكم والسخرية، ضمن حركة الرفض والتمرد التي انطلقت لا تلوي على شيء، حتى وصلت لدى بعض الشباب إلى رفض وجود الله، وهي العقيدة المحورية في معظم الأديان. لقد فتحت الدعوة إلى إسقاط النظام الأفق أمام دعوات أخرى لإسقاط المنظومة الثقافية، وفتح التمرد على «السلطة السياسية» المجال أمام التمرد على «المفاهيم الروحية» ومنظومة العقائد والقناعات السائدة، وبلغ الأمر بالبعض أن طرح أسئلة حادة، من مثل: لماذا خذلنا الله؟   ليتشعب السؤال إلى أسئلة أخرى حيرى ضربت قناعة الكثير من الشباب، الذين عوّلوا على «الربيع العربي» في صبغته «الإسلاموية» للخروج من عقود طويلة من الانحباس السياسي، غير أنه عندما تكسرت موجاته ـ ولو مرحلياً – انهارت ـ ولو جزئياً – متعلقاته من خطب وشعارات واعتقادات. يوم أن لفظت موجة قاسية جثة الطفل السوري إيلان على أحد الشواطئ التركية، وطوت صورته الآفاق، يومها أرسل لي أحد شباب الربيع العربي يائساً، يقول «أين كان الله لحظة أن غرق إيلان؟ لماذا لم يتدخل لإنقاذه؟» في عبارة ظاهرها القدرة على الاحتجاج على «حِكمة الله» ولكنها في الحقيقة تعكس فشل الثورة على «حُكم الحاكم» لأن الله لم يأمر بتهجير إيلان، ولكن الفشل في الاحتجاج على «السلطة السياسية» ولد نوعاً من الاحتجاج على «المفاهيم الروحية» كخيار سهل يُحمِّل «أهل السماء» مسؤولية جنايات «أهل الأرض» ويفتح الباب واسعاً أمام الجيل الذي انهارت أحلامه للتساؤل والقلق والرفض والاحتجاج، بعد أن عمَّ الشعور بالسلبية والاكتئاب وانهيار الأحلام وفشل الثورة. ومما ساعد على تشكل حالة من التمرد على القيم الدينية أن جماعات ما بات يعرف بـ«الإسلام السياسي» تصدرت ثورات «الربيع العربي» والذي شكل انكساره عبأ على المشاريع السياسية التي رفعت اليافطات الدينية، وهو الأمر الذي جعل بعض شباب «الثورية الرومانسية» يعيد النظر في قناعاته الدينية، بعد أن أُعيدَ توجيه الغضب ليتحول من كونه ضد رموز وطروحات «النظام السياسي» إلى أن أصبح ضد رموز وطروحات «المنظومة الدينية». ورأينا الكثير من شباب الحركات الإسلامية يغادرون الشعار الآيديولوجي: «الإسلام هو الحل» والذي رددوه سنوات طويلة، ليتحولوا إلى شعار: «العلمانية هي الحل» وهو الشعار الذي كان طرحه يصل حد الكفر لدى بعض التيارات الدينية التي اشتغلت على الشأن السياسي، ناهيك عن ظهور توجهات إلحادية بدأت تجاهر بطروحاتها، لتتعدى قضايا النقاش التقليدي حول فصل الدين عن الدولة، وتذهب بعيداً في محاولة ضرب الدين في أساس عقيدته المركزية المتمثلة في وجود الإله الخالق. كل ذلك جاء في مجمله كردة فعل عاطفية على انهيار «الوعود الربيعية» التي اصطبغت بصبغة دينية غيبية موغلة في رومانسيتها السياسية، الأمر الذي أدى إلى ما يمكن تسميته بموجة «الإلحاد الانفعالي» وهو أقرب إلى كونه ردة فعل عاطفية من كونه قناعات تقوم على «موقف فكري» خالص. وقد أسهم الكثير من شيوخ الدين في اهتزاز القيم الروحية لدى الكثير من شباب الاحتجاج بسبب انقسامات هؤلاء الشيوخ في مذاهبهم الدينية والسياسية، وهو الأمر الذي وفّر مادة غزيرة للهجوم على الشيوخ الذين كانت لهم مكانتهم الدينية والمجتمعية قبل سنوات، ثم أصبحوا يتلقون بشكل مستمر كماً هائلاً من الانتقادات والهجوم المبرر وغير المبرر من طرف الأتباع قبل الخصوم، على وسائل التواصل الاجتماعي التي كان لها دور محوري في تهشيم الرموز وتهميش المتون، والمساعدة على توسع حركة الاحتجاج والرفض للكثير من الطروحات السياسية والتقاليد الاجتماعية والمقولات الدينية على حد سواء. ومع كل ما سيق، فإن تلك الموجة التي تقدمت بعنف إلى شواطئ العام 2011، وتكسرت على سواحل ما بعده من أعوام، لا تزال ارتداداتها تنداح في أنحاء مختلفة من المنطقة التي تعتمل فيها السيرورتان المتسقتان: «تهميش المتون» و«تمتين الهوامش» في شبكة من الصراعات المستمرة بين «شباب القاعة» و«ديناصورات المنصة» بين خيمة الاحتجاج وقصر الحكم، بين قيم اليوم وقيم الأمس، بين فقر الريف وغنى المدينة، أو بين الهوامش والمتون، دون وجود أفق ملموس لضبط العلاقة بين كل تلك الثنائيات الضدية المتصارعة، في سياق تلك «الفوضى الخلاقة» المدمرة.   القدس العربي


قراءة الخبر من المصدر