عادة ما تكون الأوضاع المعيشية والصحية والتعليمية هي محور الأحاديث في الاتصالات أو اللقاءات التي تتم مع الأصدقاء أو المعارف من الداخل السوري، وهي اتصالات ولقاءات تشمل مختلف الأعمار والاتجاهات والرؤى والأماكن. القاسم المشترك بين آراء غالبية السوريين هو عدم التفاؤل، بل هيمنة النزعة السوداوية. فالنظام، بعد كل ما اقترفه بحق السوريين، لا يمثل الحل بالنسبة إليهم. كما أن سلطات الأمر الواقع، سواء في شرق الفرات أم في غربه، قد باتت هي الأخرى مرتعاً للفاسدين وتجار الحروب والأزمات الذين تمكنوا من التغلغل بفعل تبادل المنافع مع أصحاب المشاريع العابرة للحدود؛ وهي المشاريع المتناقضة بالمطلق مع مصالح وتطلعات السوريين، بانتماءاتهم وتوجهاتهم المتنوعة؛ وهي التطلعات التي ثار من أجلها السوريون على الحكم الأسدي المستبد الفاسد المفسد؛ وقدموا، وما زالوا يقدمون، ضريبة باهظة تفوق أي وصف أو تقدير. والأمر الذي يستوقف أكثر من غيره في معظم الأحاديث مع المعنيين هنا، هو انعدام الثقة بالقوى السياسية، سواء المتحكمة أو المعارضة لها. فالناس لا يتلمسون بارقة أمل تبشّر بمستقبل أفضل سواء في حال استمرار تلك القوى، أم بمجيء النظام. لذلك فهم ينتظرون أي فرصة تفتح الحدود خلالها، ليهاجروا بحثاً عن ملاذات آمنة تنقذهم من واقع يطحنهم في كل لحظة. الضرورات المعيشية باتت من الكماليات. الناس يتعرضون للابتزاز والاستنزاف  المتواصلين، بدءا من رغيف الخبز، ومروراً بالأدوية والماء والكهرباء والخدمات الأساسية؛ هذا فضلاً عن القمع والتنكيل وحالات الاختطاف والاغتيال والتغييب. وفوق هذا وذاك، يتعرض السوريون للقصف بصورة شبه مستمرة من قبل القوات الروسية وقوات النظام في محافظة إدلب، كما أن هناك تهديدات يومية باحتمالات هجوم تركي على منطقة شرق الفرات، والجزيرة تحديداً؛ إلى جانب التحركات الروسية والإيرانية هناك؛ والمخاوف من عودة داعش مجدداً؛ والتحسّب من النزعة الانتقامية التي يشدد عليها بشار الأسد وأركان نظامه بصورة متواصلة. تقارير الأمم المتحدة تتحدث عن أوضاع اقتصادية مرعبة يعيشها السوريون، فالفقر يخيم على أكثر من 80% من السوريين. أكثر من مليوني طفل خارج المدارس. أما المدارس الموجودة فهي من ناحيتها تفتقر إلى المقومات التربوية والموارد المالية، والكوادر التربوية المؤهلة التي تمكنها من أداء دورها كما ينبغي. أما الواقع الصحي فهو كارثي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الخدمات الأساسية والبنية التحتية، كل هذا ولا يلوح في الأفق أي أمل بانفراج قريب، وذلك بعد مرور أكثر من عشر سنوات على بداية الحرب التي أعلنها حكم آل الأسد على الشعب السوري. وما يستشف من المواقف الدولية والإقليمية هو أن الأمور تسير نحو تعويم حكم بشار الأسد مجدداً، وهو الأمر الذي، إذا حدث، لن يؤدي إلى الاستقرار في سوريا، بل سيدفع نحو مزيد من التوتر والتصعيد ليس في سوريا وحدها، بل على مستوى المنطقة كلها. وفي هذه الأجواء الملبدة يرى الكثير من الناس أن الحل الممكن العملي هو ترك بلدهم، والبحث عن مستقبل أفضل في بلاد الآخرين. ولكن هذا الخيار الصعب يصطدم هو الآخر بعدد من العراقيل، في مقدمتها رفض الكثير من الدول استقبالهم، ولعل صور المعاناة القاسية التي يواجهها اللاجئون الباحثون عن أمل على الحدود البولونية – البيلاروسية تعكس ذلك. وهي معاناة تتسبب في الكثير من الحزن والألم. أطفال ونساء وشباب في مقتبل العمر من دون مأوى في أجواء باردة، قد باتوا مادة لتجارة المافيات ومزودات الحسابات السياسية القذرة. كما أن المعاناة ذاتها تثير الغضب في الوقت نفسه، وهو غضب سببه مواقف الدول التي غضت النظر عن معاناة السوريين، وقد كان في مقدورها التدخل بيسر وكلفة لا تذكر، وبشرعية دولية لا غبار عليها، لإنقاذ السوريين منذ نهايات 2011 وبدايات 2012، وذلك حينما بلغ عدد مجموعة أصدقاء الشعب السوري نحو مئة دولة، من ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وغالبية الدول الغربية، وعدد من الدول العربية من بينها دول الخليج ومصر والمغرب؛ إلا أن دعم تلك المجموعة للسوريين اقتصر على الجوانب الإنسانية والإعلامية، والوعود التي لم تنفذ. هذا بينما كان الإيرانيون يدعمون النظام بكل شيء، وأدخلوا كل أذرعهم من الميليشيات التابعة لهم في دول المنطقة إلى سوريا لتقاتل لصالح حكم بشار الأسد. كما كان الروس يمدونه بالسلاح، ويغطونه سياسياً باستخدام الفيتو مع الصين في مجلس الأمن. وأصبحوا لاحقاً جزءاً من حربه على السوريين؛ وكان هذا بعد أن تم التوافق بينهم وبين الأمريكان، على توزيع الأدوار والميادين بحجة محاربة الإرهاب الذي يعرف الجميع كيف روج له، وأسهم في رعايته، واستفاد منه نظام بشار؛ بل إن هذا الأخير قد مارس عملياً كل أشكال إرهاب الدولة ضد السوريين عبر المجازر، واستخدام الأسلحة الكيميائية، والقصف بالطيران على مدى سنوات أمام ومرأى ومسمع الجميع. في بدايات ثورات الربيع العربي، كان من المتوقع أن يساهم الأوروبيون في مساعدة شعوب منطقتنا لتمتلك زمام أمورها، وتبني أنظمتها الديمقراطية، الأمر الذي كان من شأنه أن يعزز تمسك شعوب المنطقة ببلدانها، وتركيز طاقاتها على التعليم والتنمية، مما كان سيساهم في سد الطرق على النزعات المتطرفة، وكان سيؤدي إلى تطوير العلاقات الاقتصادية والحضارية مع الدول الأوروبية، وسيساهم في تعزيز الأمن والاستقرار لصالح الجميع. ولكن الدول الأوروبية ظلت مترددة، تنتظر تبلور ملامح الموقف الأمريكي الذي ظل هو الآخر، وربما لأسبابه الخاصة، متردداً متحفظاً، الأمر الذي أدى إلى الكوارث، وسيؤدي إلى المزيد منها في أجواء التغيّر المناخي، وانتشار حالات الجفاف، وتصاعد التوترات، وواقع الفساد الشمولي الأسطوري، وكل ذلك يلتهم الموارد، ويضغط على الناس، ويدفعهم نحو مغامرة الهجرة التي تبدو لهم في ظل واقع انسداد الآفاق بوصفها المخرج الوحيد الممكن. وما يزيد الوضع تعقيداً أن الأنظمة الديمقراطية الأوروبية بما فيها الناضجة المستقرة تتعرض اليوم لتهديدات خطيرة في الداخل ومن الخارج، وهذه الظاهرة لا تقتصر على أوروبا وحدها، بل تشمل سائر الأنظمة الديمقراطية في العالم. فهذه الأنظمة تجابه تحديات كبرى في مقدمتها النزعات الشعبوية والقومية والعنصرية، وهي التي غالباً ما تبني استراتيجياتها وشعاراتها على ما تواجهها مجتمعاتها من تحديات خاصة بارتفاع نسبة الجريمة، والعمليات الإرهابية، ومظاهر التشدد الديني. وقد كان لافتاً في هذا السياق الدعوة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي جو بايدن بعد عمليات الأخذ والرد التي كانت في أعقاب عدم اعتراف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بخسارته في الانتخابات؛ فقد طالب بايدن بتمتين الأواصر بين الأنظمة الديمقراطية في العالم، ودعا إلى عقد مؤتمر يجمع بين تلك الأنظمة لمناقشة التحديات وتبادل الخبرات. وقد أثار هذا الاقتراح  في حينه حفيظة المسؤولين الروس الذين يسعون من أجل إثبات نجاح نهجهم والسخرية من مظاهر الضعف في النظام الديمقراطي. واليوم تحاول روسيا تعميم نموذجها الاستبدادي المغلف بـ«انتخابات شكلية»؛ فما تفعله روسيا في سوريا وفي دول أوروبية شرقية، وأخرى أمريكية جنوبية وأفريقية، يعكس هذا التوجه بكل وضوح؛ وهو الأمر الذي يُستشف منه أن هناك عودة إلى حرب باردة جديدة، ستكون أوروبا من دون شك جبهة أمامية من جبهاتها. ولكن المفارقة التي تثير التساؤلات وتبرز التناقضات في هذا المجال، تتمثل في تساهل الأوروبيين من جهتهم مع الأنظمة الاستبدادية لقاء اعتبارات مصلحية انتهازية في العديد من المناطق، ولعل التعامل الأوروبي مع الملف الإيراني يعد المثال الأبرز في هذا المجال. فالنظام الإيراني نظام مستبد يقمع الإيرانيين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية والقومية وتوجهاتهم السياسية. ويعمد هذا النظام في الوقت ذاته إلى خلخلة الأمن والاستقرار في مجتمعات المنطقة ودولها، ولكن مع كل هذا، يلاحظ أن الكثير من الدول الأوروبية الديمقراطية تغض النظر عن هذه الحقائق، مقابل وعود باستثمارات مستقبلية، وهو الأمر الذي لا يستقيم مع المعادلات والجهود المطلوبة لتعزيز وتقوية الأنظمة الديمقراطية، ودعم التوجهات الديمقراطية على المستوى العالمي. وإذا ما استمرت هذه السياسات الأوروبية والغربية بصفة عامة على حالها، فإن الأنظمة الديمقراطية في العالم التي ستجتمع بعد نحو ثلاثة أسابيع بناء على دعوة أمريكية لن تتمكن من تجاوز ثغراتها، وستخفق في معالجة التهديدات الحقيقية التي تتعرض لها. فمواجهة الاستبداد كمواجهة الإرهاب، تستوجب خطة متكاملة تقوم على تجفيف مصادره.     (القدس العربي)


قراءة الخبر من المصدر