مسار وطبيعة حياتنا المعاصرة تؤكد أن الإعلام أضحى لجاما للناس ويمثل مرجعية ثقافية، وسياسية واجتماعية، وحتى دينية في بعض الأحيان. وأصبحت أعناقنا للآلة الإعلامية خاضعة بل ومستكينة، في ظل تعهدها بوظائف حيويّة مثل بث ونشر وتعميم المعلومات، والثقافة، والأخبار، الأمر الذي أعطاها قوةً وتحكما يصل حد السيطرة الكاملة على طريقة تفكيرنا. فتلك الآلة تستخدم أساليب قتل العقل كما يقول عالم النفس الهولندي ميرلو، لأنها تحيل الإنسان إلى كائن لا حول له ولا قوة، وتخضعه إخضاعا لتعاليمها، إذ تتضافر فنون الضغط الثقافي والعاطفي للسيطرة على الفرد الضحية، وتحويله إلى فرد له عقلية جديدة. وإلى هنا يبدو الأمر في إطاره الطبيعي؛ لكن هناك طرق عديدة تم رصدها تستخدمها وسائل الإعلام لخداع الناس لا سيما استخدامها في إطار السياسة، والسياسة في وجهها الكالح لا تدخل في شيء إلا شانته وهي مثل كلمة خبيثة لو مزجت بماء البحر لمزجته. ومن طرق الخداع "بروزة" المحتوى الإخباري، فعلى سبيل المثال إطفاء أسماء وصفات منفرة في سياق مخادع باعتبارها مصطلحات أو مفردات "محايدة" وردت بشكل "تلقائي" أو "بريء" وذلك مثل متمردين، مثيري شغب، إرهابيين أو وصف تغيير سياسي ما بالانقلاب العسكري أو العكس. وقد شرح أحد خبراء الإعلام نظريات الخداع الإعلامي بشكل مفصل راصدا عددا من الطرق والأساليب، وأكد أنه لا توجد مؤسسة إعلامية في العالم تستطيع رصد كل ما يحدث وهنا يبدأ الخداع، فهناك معايير لانتقاء الأخبار التي يضعها الإعلامي على شاشة التلفاز أو على صفحات الصحف، فيحدد الصحفي أو الإعلامي للمشاهد ما يراه ويحجب عنه ما لا يجب أن يراه، وهنا تبدأ فكرة الهيمنة على الأفكار والعقول. وعلى ذكر الانتقاء الإعلامي هناك العكس وهو الإغفال، إذ إن هناك حوادث وكوارث تحدث يومياً على مختلف الصعد لا يشير إليها الإعلام فأخبار مسلمي بورما على سبيل المثال يكاد لا يوجد لها أي أثر في سياق أخبار مؤسسة إعلامية كبرى. وعلى الرغم من كثرة ما يحدث ويتجدد يومياً من أحداث وأخبار، إلا أن هناك أخبارا يجب أن تتكرر حتى يثبت في عقل المشاهد والمتلقي عموما فكرة معينة حتى وإن كانت مغلوطة. وأحيانا عندما لا يجد الإعلامي سبيلا أو حجة تسند نقده لفكرة ما فإنه يلجأ إلى انتقاد صاحب الفكرة فيحدث تشوها فكريا لدى المتلقي عن الفكرة وصاحبها. من ناحية أخرى إخفاء مضمون الموضوع والوقوع في شراك التصنيف وعدم الموضوعية، فيربط على سبيل المثال الإسلام كعقيدة بالإرهاب، فيقال الإسلاميون الإرهابيون من أجل إخفاء مضمون الإسلام كعقيدة وشريعة سمحاء. ومن أساليب الخداع الإعلامي كذلك ما يعرف بالهجوم الاستباقي؛ وهذا يحدث لأجل منع شيء من الحدوث أو من أجل فعل شيء لمصلحة السلطة السياسية، فعندما أرادت وزارة الدفاع الأمريكية زيادة ميزانيتها بدأت بتوجه الإعلام في تلك النقطة وأشاع الإعلام أن الولايات المتحدة تحارب في أكثر من جبهة ولها قواعد كثيرة في العالم ويجب زيادة ميزانية الدفاع. بل هناك أخبار تُنقل بسطحية مفتعلة ولا يظهر لها أي مضمون، لأنه يقصد ألا تثبت في عقول الجمهور والمتلقين، لأنها تحتوي على مضمون يضر بمصالح السلطة السياسية. كذلك عندما لا يجد الإعلامي طريقا للهروب من إظهار الحقيقة الضارة بالسلطة السياسية يلجأ إلى تغيير الموضوع حتى يستطيع الهرب من مواجهة الحقيقة. ومن أهم أساليب الخداع الإعلامي افتعال التوازن بين ما يحدث وبين ما يقال؛ لأن ذلك يوحي للمتلقي أن كل ما يراه حقيقة مُسلّم بها، لأنه لو أدرك الفرق بين ما يراه وبين ما يحدث حقيقة سيستبين كذب الإعلام، وهنا يبدأ الإعلامي في عمل توازن مفتعل عما يقول وعما يحدث حتى يصدقه الناس ويثقوا في كلامه. إن سلاح الإعلام يُستخدم في الأغراض السّياسية بشكل كبير جدا، بل إن البعض يذهب إلى القول: إن كثيرا من الأجهزة الإعلامية حول العالم ليست إلا مشاريع سياسية بأهداف محددة، وتؤكد المدرسة الغربية في العلوم السياسية على أهمية الإعلام والاتصال باعتباره أبرز مكونات النظام السياسي المعاصر. بل إن بعض الأساتذة الأمريكيين ينظرون إلى النظام السّياسي باعتباره شبكة من الاتصالات والقنوات الاتصالية، وأن النظم الفرعية للنظام، أي الأحزاب، عبارة عن نظم اتصال مصغّرة، وأن النظام السّياسي هو نظام تاريخي له ذاكرة ولديه طوفان مستمر من المعرفة. وتقول لجنة شون ماكبرايد في تقريرها الشهير لليونسكو باسم "أصوات متعددة وعالم واحد": إنه لا يمكن فهم الاتصال حين يُنظر إليه في مجموعه، بدون الرجوع إلى بعده السّياسي، ومشكلاته التي لا يمكن حلها بدون أن نضع في اعتبارنا العلاقات السّياسية. فللسّياسة، إذا ما استخدمنا العبارة بمعناها "الرفيع" علاقة لا تنفصم عن الاتصال في عمومه والإعلام بشكل خاص. و"المعنى الرفيع للسياسة" هنا يتطلب أن هذه العلاقة مع الإعلام تتحدد في إطار واجبات صُناع القرار السّياسي توجيه وسائل الإعلام بحيث ترتبط ارتباطا محكما بقضايا الوطن وقيمه الثقافية وتوجهاته الحضارية: التزاما وتغييرا وتطويرا، بحيث تخدم مصالح الشعب كله في نفس الوقت التي تظل فيه متفتحة على ثقافات الأمم الأخرى وحضاراتها ومتفاعلة معها. بيد أن ذلك لم يتحقق بالنظر إلى تفشي أساليب وطرق الخداع آنفة الذكر.   (الشرق القطرية)


قراءة الخبر من المصدر